أبو علي سينا

316

القانون في الطب ( طبع بيروت )

التشنج علة عصبية تتحرّك لها العضل إلى مباديها ، فتعصى في الانبسَاط ، فمنها ما تبقى على حالها ، فلا تنبسط ، ومنها ما يسهل عوده إلى البساط كالتثاؤب والفواق . والسبب فيه ، إما مادة ، وإما سبب غير المادة ، مثل حر أو يبس . ومادة التشنّج في الأكثر تكون بلغمية ، وربما كانت سوداوية ، وربما كانت دموية ، وذلك في أورام العضل إذا تحللت المادة المورمة قرح ليف العصب ، فزادت في عرضه ونقصت من طوله . وكل تشنّج مادي ، فإما أن تكون المادة الفاعلة له مشتملة على العضل كله ، وذلك إذا كان تشنجاً بلا ورم ، وإما أن تكون حاصلة في موضع واحد ، ويتبعها سائر الأجزاء ، كما تكون عن التشنج الكائن للورم عن مادة منصبة لضربة ، أو لقطع ، أو لسبب آخر من أسباب الورم ، ولا يبعد أن يكون من التشنج ما يحدث من ريح نافخة كثيفة . وأرى أنه مما يعرض كثيراً ويزول في الوقت . والتشنج المادي ، قد يعرض كثيراً على سبيل انتقال من المادة كما يعرض عقيب الخوانيق ، وعقيب ذات الجنب ، وعقيب السرسام . وأما الذي يكون من التشنج لفقدان المادة والرطوبة وغلبة ليبس ، فيعرض من ذلك أن ينتقص طولًا وعرضاً وينشوي ، فيجتمع إلى نفسه كحال السير المقدّم إلى النار وأنت تعلم حال الأوتار أنها تقصر في الشتاء للترطب ، وتقصر في الصيف للتجفف ، وكذلك حال العصب ، وقد يكون من التشنّج الذي لا ينسب إلى مادة ما تقع بسبب شيء مؤذٍ ينفر عنه العصب ، ويجتمع لدفعه . وذلك السبب ، إما وجع من سبب موجع وكثيراً ما يكون من خلط حار لاذع وإما كيفية سمية تتأدى إلى الدماغ والعصب ، كما تعرض لمن لسعته العقرب على عصبه ، وإما كيفية غير سمية مثل ما يعرض التشنّج من برد شديد يجمع العصب والعضل ويكتفه ، فيتقلص إلى رأسه وكما أن الاسترخاء قد كان يختلف في الأعضاء بحسب مبادي أعضائه ، فكذلك التشنّج . والقياس فيهما واحد فيما يكون دون الرقبة ، وفي قدام وخلف في جهة ، وما يكون فوق الرقبة . والتشنّج الامتلائي الرطب سببه الذاتي ، أما الرطوبة والبرد يعينه على إجماده وتغليظه فلا ينبسط وأما اليبوسة والحرّ يعين على مبالغته بتحليل الرطوبة . والمادة الفاعلة للتشنج إنما تشنج ولا ترخي لغلظها ولأنها غير مداخلة لجوهر الليف مداخلة سارية منتفعة فيها ، ولكنها مزاحمة في الفرج ، وكأن التشنج صرع عضو كما أن الصرع تشنج البدن كله . والفرق بينهم العموم والخصوص ، وأن أكثر الصرع ينحلّ بسرعة وقد يكون بأدوار وغير ذلك من فروق تعلمها . ومن التشنج الرطب ما يعرض للمرضعات بمجاورة الثدي ، وترطيب اللبنية للأوتار ، وجمود اللبن فيها ، ومنه ما يعرض للسكارى ، ومنه ما يعرض للصبيان لرطوبتهم ، وكثيراً ما يعرض لهم في حميّاتهم الحادة ، وعند اعتقال بطونهم ، وفي سهرهم وكثرة بكائهم يتشنّجون أيضاً في حمّياتهم ، وإن كانت حمياتهم خفيفة . وبالجملة فإن الصبيان يسهل وقوعهم في التشنج